ابن عربي

250

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

عندي غنى في شيء مما نزل بك إلا أنيسا سائس الفيل ، وكان صديقا له ، فأرسل إليه ، فأوصيه بك ، وأعظم عليه حقك ، وأسأله أن يستأذن لك على الملك أن يكلمك فيما بدا لك ، ويشفع عنده بخير إن قدر على ذلك . فقال : حسبي . فبعث ذو نفر إلى أنيس ، فقال له : إن عبد المطلب سيد قريش ، وصاحب عير مكة ، وعينها ، وعظيمها ، يطعم الناس بالسهل والجبل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، وقد أصاب له الملك مائتي بعير ، فاستأذن له عليه ، وانفعه عنده بما استطعت . قال : افعل . فلما كلّم أنيس أبرهة ، قال له : أيها الملك ، سيد قريش ببابك يستأذن عليك ، وهو صاحب مكة وعيرها ، وهو يطعم الناس في السهل والجبل ، والوحوش في رؤوس الجبال ، فأذن له عليك يكلمك في حاجته . قال : فأذن له أبرهة . وكان عبد المطلب أوسم الناس وأعظمهم وأجملهم ، فلما رآه أبرهة أجلّه وأكرمه عن أن يجلس تحته ، وكره أن تراه الحبشة أن يجلسه معه على سرير ملكه ، فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه ، وأجلسه معه عليه إلى جنبه . ثم قال لترجمانه : قل له : ما حاجتك ؟ قال له لترجمان : يقول لك الملك : ما حاجتك ؟ قال : حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي . فلما قال ذلك قال أبرهة لترجمانه : قل له : كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثم قد زهدت فيك حين كلّمتني . أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك وقد جئت لهدمه لا تكلمني فيه ؟ فقال عبد المطلب : إن هذه الإبل لي وأنا ربها ، وإن للبيت ربا سيمنعه . قال : ما كان ليمنع مني . قال : أنت وذاك . قال ابن إسحاق : وقد كان ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة حين بعث إليه حناطة الحميري يعمر بن نعامة بن عدي بن الديل بن بكر بن عبد مناف بن كنانة وهو سيد بني بكر ، وخويلد بن وائلة الهذلي وهو يومئذ سيد بني هذيل ، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت ، فأبى عليهم ، فلما انصرفوا عنه انصرف عبد المطلب إلى مكة ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكة والتحرّز في شعب الجبال ، تخوّفا عليهم من مضرّة الجيش . ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وقام نفر معه من قريش يدعون إليه ويستنصرون على أبرهة وجنوده . فقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة : يا رب إن المرء يم * نع رحله فامنع رحالك وانصر على آل الصّلي * ب وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم أبدا محالك إن كنت تاركهم وقب * لتنا فأمر ما بدا لك